كشف الخبير الاقتصادي نبيل المرسومي عن جملة أسباب جوهرية تدفع البنك المركزي العراقي إلى رفض خفض قيمة الدينار أمام العملات الأجنبية، محذّراً من أن أي خطوة بهذا الاتجاه قد تخلّف آثاراً اقتصادية واجتماعية خطيرة، لا سيما على الفئات الهشة.
وأوضح المرسومي أن الطبقات الفقيرة ستكون المتضرر الأكبر من خفض العملة، نتيجة ارتفاع معدلات التضخم وتآكل القوة الشرائية، إذ يحتفظ الفقراء عادةً بمدخراتهم نقداً، ما يجعلهم أول من يدفع ثمن انخفاض قيمة الدينار، إلى جانب تراجع الأجور الحقيقية وارتفاع أسعار السلع الأساسية، خصوصاً المستوردة مثل الغذاء والدواء.
وأشار إلى أن خفض العملة يؤثر بشكل مختلف على الدائنين والمدينين؛ فإذا كان الدين مقوماً بالدينار تضرر الدائن، أما إذا كان بالدولار فإن المدين يتحمل العبء الأكبر بسبب ارتفاع قيمة الالتزامات بالعملة المحلية.
وبيّن أن هذه السياسة غالباً ما تؤدي إلى هروب رؤوس الأموال والمضاربة، خصوصاً في حال توقع الأسواق حدوث تخفيضات متتالية، ما يزعزع الاستقرار المالي ويقوض الثقة بالاقتصاد.
وأضاف أن خفض قيمة الدينار قد لا يحقق الهدف المنشود في تحسين ميزان المدفوعات، بسبب ضعف مرونة الصادرات والواردات العراقية تجاه تغيرات الأسعار، فضلاً عن تآكل الأرصدة النقدية للمواطنين سواء كانت مكتنزة أو مودعة في المصارف.
وحذّر المرسومي من الدخول في دوامة الأجور والأسعار، حيث يؤدي ارتفاع الأسعار المحلية إلى تبديد أي مكاسب تنافسية محتملة، إضافة إلى تراجع جاذبية العراق للاستثمار الأجنبي، إذ تتآكل أرباح المستثمرين عند تحويلها إلى عملاتهم الأصلية.
كما أشار إلى أن خفض العملة يرفع تكاليف الإنتاج للصناعات المحلية المعتمدة على المواد المستوردة، ما قد يدفعها إلى تقليص الإنتاج أو رفع الأسعار، الأمر الذي يضعف الطلب ويزيد الضغوط الاقتصادية.
ولفت إلى أن هذه السياسة ستؤدي أيضاً إلى ارتفاع كلفة القروض الخارجية، وبيع الأصول العامة المرشحة للخصخصة بأقل من قيمتها الحقيقية، فضلاً عن ارتفاع أسعار العقارات وتكاليف البناء بسبب زيادة أسعار المواد الإنشائية.
وختم المرسومي بالتأكيد على أن خفض قيمة الدينار لا ينبغي أن يكون خط الدفاع الأول، ولا وسيلة لسد العجز أو معالجة إخفاقات السياسات الاقتصادية، محذراً من اللجوء إلى “الحلول السهلة” التي تحقق موارد محدودة على حساب الفئات الفقيرة، إذ إن التضخم يمثل “ضريبة غير معلنة” تزيد الفقراء فقراً والأغنياء غنى.