القائمة
تابعنا على
الآن
البصرة.. شفاء للقراءة أم صرع مؤقت؟
نشر: بتاريخ 2023/04/27 في قسم: المشاهدات:
253 مشاهدة

شهدت البصرة في السنوات الخمس الأخيرة تأسيس مكتبات أهليّة انتشرت في مناطقها على نحو لافت حتى باتت ظاهرة. وأسّس المكتبات شباب لا يجمعهم مع المهنة سوى حب الكتاب والقراءة، والهروب من البطالة والإحباط السياسي إلى خلق فرص عملهم بأيديهم.

 

وبعد أن كان شارع المطابع بالعشار، وسط المدينة، لا يضم سوى مكتبات: «المكتبة العلمية»، و«الفكر المعاصر»، و«بدر»، صار المربع المحصور بين ساحة أم البروم وشارع الكويت يضم مكتبات ناشئة أخذت تشقُّ طريقها وتتناسل بسرعة: «شهريار»، و«الصحراء»، و«جيكور»، و«الرصافي». وسبقها أو تبعها في مناطق أخرى: «المعقدين»، و«الهجّان»، و«ماركيز»، و«الرافدين»، و«وتر»، و«الحداثة».

 

يرى أحمد الأحمد، وهو أمين مكتبة الرافدين (34 سنة)، أن «ازدياد المكتبات يعود لشحة فرص العمل ولبساطة متطلبات المشروع، فالأمر لا يتعدى إيجار محل مناسب وتجهيز ديكور معقول، ودور النشر في شارع المتنبي ستجهزك بالكتب»، لافتاً إلى أن بعض تجار الكتب ببغداد يزوِّدون مكتبات المحافظات بالكتب بطريقة الدفع بالآجل، أو طريقة «التصريف»، بمعنى أنها تحاسبك على قدر مبيعاتك فقط وليس على إجمالي الكمية المسحوبة، لكنّ بعض تجار الجملة «المهمين» يعملون بالدفع المباشر.

 

الأحمد أشار إلى أن تجارة الكتب «لاقت رواجاً في السنوات الأخيرة بسبب توجّه إعلامي عام للترويج للثقافة بوصفها مظهراً مدنياً يُراد له أن يبرز بعد سنوات العنف التي مرّت بالعراق، هذا التوجّه وافقه إقبال شبابي على الكتب بسبب انتشار ما عُرفت بالشوارع الثقافية التي أُنشئت في مدن كثيرة بالعراق، على غرار شارع المتنبي البغدادي».

 

وخلال سنوات معدودة انتشرت في مدن الفرات الأوسط والجنوب شوارع ثقافية أهمها الفراهيدي (البصرة)، والرصيف المعرفي (ميسان)، والحبوبي (ذي قار)، والجواهري (النجف). تضم هذه الشوارع بسطات كتب لشباب مندفع وَجدَ في الكتاب ملاذه.

 

ولكن هل يعكس هذا التوسع بالشوارع الثقافية وتأسيس المكتبات ظاهرة انتعاش قرائي؟

 

يلفت محمد فؤاد، وهو أمين مكتبة بصريّة، النظر لنقطة جوهرية: أن واقع القراءة في المدينة محدود ولا يستطيع استيعاب جميع المكتبات الحالية. إذ يقول: «لا يوجد في البصرة قرّاء لكل هذا العدد من المكتبات والكميات الهائلة من الكتب الصادرة والمستوردة. المبيعات محدودة، والأغلبية تكتفي بالتفرج وقضاء الوقت بالمطالعة والحوار. الشيء الوحيد المؤكّد أن هذه المكتبات لن تستطيع الاستمرار طويلاً وسيأكل بعضها بعضاً. البقاء للأقوى».

 

 

وتقف تحديات ارتفاع بدلات الإيجار، وتضخم أسعار الكتب بالجملة، ومحدوديّة القدرة الشرائيّة للزبائن (وأغلبهم من طلاب الجامعات) بوجه استمرارية المكتبات الناشئة، خصوصاً أن أغلبها لا تمتلك رأس مال مريحاً لأصحابها يضمن لهم الاستمرار، كونهم أفراداً، بلا تنظيم مؤسساتي أو جهات داعمة.

 

يعيش في البصرة قرابة أربعة ملايين نسمة، وفق تقديرات، لكنّ جمهور القراء لا يعدو بضعة آلاف، تقتصر احتياجات أغلبهم في القراءة على متطلبات الدراسة وإعداد البحوث والرسائل الجامعية، فيما يتوزّع الباقي على رواد القراءة المنتظمة والمطالعين الجدد، وهم على أي حال أقليّة لا تسد حاجة السوق.

 

ورغم عدم توفر إحصائيات دقيقة لمعدلات القراءة في العراق عموماً، يظل بإمكاننا الاستدلال على تراجع الإقبال على الكتاب من فحص ومراقبة بعض الظواهر، ومنها، عدم إقامة دورة جديدة لمعرض البصرة الدولي للكتاب العام الماضي، كما أنه لا إشارة حتى الآن لإقامته في هذا العام.

 

 

وكان معرض البصرة الدولي للكتاب، بدورته الأولى، قد أُقيم في أكتوبر (تشرين الأول) 2021، غير أن أنباء تواردت عن تذمّر دور النشر العربية من انخفاض الإقبال وضعف المبيعات، مما دعا المنضمين إلى تنظيم المعرض كل عامين بدلاً من إقامته سنوياً. ويرى مثقفون أن مشكلة مكتبات البصرة في ضيق قاعدة القراءة واقتصارها على نخبة محدودة من القراء، تتكرر كل مرة، لا يمكنها أن تديم استمرار منافذ البيع، وإذا لم يحصل تغيير في توجه دور النشر وصنّاع الكتاب لاستقطاب عامة الناس للقراءة عبر توفير كتب تلبّي حاجات الفرد، فلن يقف أحد في وجه نهاية وشيكة لـ«نهضة» سوق الكتاب.

اقرأ ايضاً
© 2024 جميع الحقوق محفوظة الى Taraf Iraqi